محمد بن عبد الله الصفار

145

رحلة الصفار إلى فرنسا

جوانب الطريق ، فلا يخلو منها موضع . فلا تمر في محل من هذه الطريق إلا وأنت ترى البنيان ، إما بلدة أو قرية أو دار أو دور ، إن لم يكن قريبا فبعيد . وكل بستان من بساتينهم فيه دار مبنية عامرة بخادم البستان وأهله . وكل ما في الطريق من البلدان فإن الطريق تمر في وسطها ، تشقها شقا بين حوانيتها وأسواقها . وفي هذه الطريق داخل عمارة أو خارجها ، الكثير من الصنائع التي يحتاج إليها المسافرون ، كصناع الأكداش والكراريص وسائر إقامتها ، والسمارين الذين يسمرون الدواب بصفائحهم وسائر آلاتهم ، فإذا اختل للمسافر شيء من ذلك وجد إصلاحه قريبا . وفيها كثير من ديار الخمارين الذين يبيعونها في الطريق للمسافرين ، وفيها كثير من بوسطات الخيل التي تكرى لجر الأكداش والكراريص ، كلما افتقر المسافر لشيء منها ألفاه قريبا . وأما المدن والبلدان التي مررنا عليها في طريقنا هذه ، فأولها مدينة مرسيليا التي نزلناها بعد خروجنا من البحر ، وهي مدينة كبيرة من حواضر بلاد فرانسا . ولا سور لها من جهة البحر ، ومرساها محصنة بأبراج المدافع يمينا وشمالا . لها مدخل ضيق ، وعليها فنارات « 1 » عظام توقد بالليل للاهتداء . وعلى المرسى قهاوي عديدة في أحسن ما يكون من الزخرفة والتزيين . ومرساها جون داخل لجهة البلد ، بينها وبين جبل صغير مقابل لها ، وشاطئها مبني على نمط ما تقدم في مرسى بوربندر . وبهذه المرسى صناديق مرساة لازمة لموضعها وفيها ثقب كبير ، فمن أراد الدخول لداخل المرسى ، ربط فيها حبال سفينته وجعل يجبذ لتدخل سفينته لعدم الريح بداخل المرسى . وليست مرسى للقراسيل « 2 » والمراكب الحربية ، إنما هي مرسى لمراكب التجارة ، ألفينا بها من مراكب السلع والتجارة ما لا يوجد معها مسلك ، كان بها على ما قيل ما يزيد على ألفي مركب . لأن هذه البلد بلد المتجر ، فيها التجار من سائر الأقاليم ، وفيها جميع ما يوجد ببلاد فرانسا من السلع والصنائع . وسلع غير الفرنسيس فيها

--> ( 1 ) مفردها فنار ، وأصلها من الإسبانية ( fanal ) ، وهي المصابيح المستعملة للإنارة . 292 : 2 Dozy ( المعرب ) . ( 2 ) مفردها قرصال وأصلها من الإيطالية ( corsale ) ، أي لص البحر . وبما أن القرصنة لم تصبح بالكثافة التي كانت معهودة من قبل في حوض البحر الأبيض المتوسط ، فإن اللفظة هنا تعني صنفا من أصناف المراكب الحربية . انظر : Brunot , La mer , pp . 337 - 344 .